التغذية والأداء البدني-5
د. خالد بن صالح المزيني
معلومات عن المؤلف اضغط هنا
هذا المقال رقم (5) والأخير ضمن سلسلة تستعرض أهم الموضوعات المتعلقة بالتغذية والأداء البدني. للإطلاع على المقال السابق اضغط هنا.
تعويض السوائل والأداء الرياضي
تعويض السوائل قبل التدريب
إن الهدف من التزود المسبق بالسوائل هو بدء النشاط البدنى بمستويات سليمة وطبيعية من الماء والمنحلات في البلازما. وفى حال استهلاك مقادير كافية من المشروبات مع الوجبات وانقضت فترة استرداد مطولة ( 8 -12 ساعة ) منذ آخر دورة تدريب ، عنذئذ يفترض أن يكون الشخص قد تزود بالماء بطريقة سليمة. ومع ذلك ، فانه إذا تعرض الشخص لفقدان سوائل حقيقى ولم يكن لديه الوقت الكافى أو مقادير سوائل ومنحلات كافية لتأسيس مستويات سليمة من الماء ، عندئذ فلابد من برنامج (جدولة) مكثف للتزود المسبق بالسوائل. وسوف يساعد هذا البرنامج فى ضمان أن كل حالات فقدان السوائل والمنحلات التى تمت فى السابق قد تم تصحيحها قبل البدء فى فترة التدريب اللاحقة.
وللتزود بالماء قبل التدريب يجب على الفرد أن يشرب السوائل ببطء ( مثلا ، 5 -7 مللتر/كلجم من وزن جسم ) وذلك قبل ما لا يقل عن 4 ساعات من المهمة التدريبية . وفى حال عدم التبول أو كان لون البول داكنا أو عالي التركيز ، فعلى الفرد (رجل كان أم إمرأة) شرب المزيد من السوائل ( مثلا حوالي 3 - 5 مل / كلجم من وزن الجسم) قبل حوالى ساعتين من الحدث الرياضي. وتعويض السوائل قبل عدة ساعات من التدريب سوف يسمح بوقت كاف لعودة البول إلى الوضع الطبيعي قبل بدء الحدث الرياضي. واستهلاك مشروبات مع صوديوم (20-50 ملي مساوي لكل لتر (mEq.L)) و/أو مقادير قليلة من الوجبات الخفيفة المملحة أو الأطعمة المحتوية على صوديوم فى الوجبات سوف يساعد على حث العطش (الرغبة في شرب الماء) والمحافظة على السوائل المستهلكة.
وعلى العكس من ذلك فإن الإفراط فى التزود بالسوائل والتي توسع الفراغات الخلوية الداخلية والخارجية (مثل ، الماء ومحلول الجليسرول) سوف تزيد بدرجة كبيرة من خطر خلوها فى أثناء المنافسة ، كما أنها لا توفر ميزة فسيولوجية أو ميزة أداء واضحة عن التعويض السليم للماء . وإضافة الى ذلك ، فان فرط التزود بالماء قد يخفف ويخفض بدرجة كبيرة صوديوم البلازما قبل بدء التمرين وبذلك يزيد من خطر تدنى الصوديوم فى حال استبدال السوائل بدرجة كبيرة فى أثناء التدريب.
وتحسين طعم السوائل المتناولة يعتبر أحد الطرق المساعدة فى تحسين عملية استهلاك السوائل قبل أو أثناء أو بعد التدريب . وتتحكم فى طعم السوائل عدة عوامل تشمل درجة الحرارة ومحتوى الصوديوم والنكهة . وأفضل درجة حرارة للماء تكون ما بين 15 و 21 درجة مئوية ولكن هذه والطعم المفضل تختلف بدرجة كبيرة بين الاشخاص والثقافات.
تعويض السوائل فى أثناء التدريب
ان الهدف من تناول المشروبات فى أثناء التدريب هو لمنع الجفاف ( أكثر من 2% نقص في وزن الجسم بسبب عجز في الماء) ولمنع التغيرات المفرطة فى توازن المنحلات لتجنب إنخفاض مستوى الأداء البدني . ويعتمد مقدار ومعدل تعويض السوائل على معدل تعرق الشخص ومدة التدريب وفرص الشرب . وعلى الاشخاص تناول مشروبات فى فترات منتظمة (عندما تسنح الفرص) . ويجب اتخاذ الحرص عند تحديد معدلات تعويض السوائل، وخاصة فى التدريبات التي تمتد لفترات طويلة تدوم لاكثر من 3 ساعات . وكلما طالت مدة التدريب كلما كثرت التأثيرات المتراكمة لعدم التوافق بين احتياجات السوائل وتعويضها ، والذى يمكن أن يسبب المزيد من الجفاف أو تخفيف أو تدنى الصوديوم.
ومن الصعب التوصية بسائل معين وبرنامج لإستبدال المنحلات بسبب إختلاف أنواع التدريب ( إختلاف متطلبات العمليات الايضية ومدة التمرين والملابس والأجهزة) ، وبسبب ظروف الطقس وعوامل أخرى ( مثلا ، الوراثة والتأقلم على الحرارة والحالة التدريبة). كل هذه العوامل يمكن أن تؤثر على معدل تعرق الشخص وتركيز المنحلات في العرق. ولكن يوصى أن يراقب الأفراد تغيرات وزن الجسم فى أثناء التدريب أو المنافسات لتقدير مدى فقدانهم للعرق فى أثناء مهمة تدريب معينة بناءً على حالة الطقس . وهذا يتيح تطوير برامج فردية لعملية تعويض السوائل تلبي الاحتياجات الشخصية، إلا أن ذلك قد لا يكون عمليا دائما.
ولعلنا نعطي أمثلة لإيضاح الفكرة فمثلاً مستوى السوائل الملائم عند بداية السباق والمقترحة لعدائى المسافات الطويلة هو أن يشربوا اختياريا من 0.4 الى 0.8 لتر/ساعة مع تخصيص المعدلات الأعلى للأشخاص الأسرع والأثقل وزنا المنافسين فى بيئات دافئة والمعدلات الأدنى بالنسبة للأشخاص الابطأ والأقل وزنا المنافسين فى بيئات أبرد. ومن غير المناسب استخدام معدل تعويض سوائل واحد بالنسبة لكل العدائين. فالمدة الاطول أو الانواع المختلفة من الأنشطة البدنية ، والطقس الاكثر شدة واختلاف معدلات التعرق قد تغير طريقة تعويض السوائل بدرجة كبيرة . فمثلا ، بعض لاعبى كرة القدم الامريكية ( غالبا يتمتعون بأوزان وأجسام ضخمة ويرتدون كامل المعدات فى طقس حار) يذكر بأن مقدار فقدانهم للعرق يزيد عن 8 لتر في اليوم ، وهؤلاء الاشخاص سوف يحتاجون لمقادير سوائل أكبر بكثير للمحافظة على التعويض السليم للسوائل على أساس يومى مقارنة مع العدائين.
والحقيقة أن تركيبة السوائل المستهلكة قد تكون هامة . حيث قدم المعهد الطبي الأمريكي (Institute of Medicine) إرشادات عامة لتركيبة " المشروبات الرياضية " للأشخاص الذين يؤدون أنشطة بدنية لمدة طويلة فى طقس حار. وقد أوصى المعهد بأن تحتوي هذه الانواع من مشروبات تعويض السوائل على حوالي 20 إلى 30 (meq.L) صوديوم (كلورايد هي الشحنات السالبة) وحوالي 2 إلى 5 (meq.L) بوتاسيوم وحوالي 5 إلى10% كربوهيدرات. وسوف تعتمد الحاجة لهذه العناصر المختلفة (الكربوهيدرات والمنحلات) على نوع المهمة التدريبية ( مثلا ، الشدة والمدة ) وعلى ظروف الطقس . والصوديوم والبوتاسيوم لازمان للمساعدة فى تعويض المنحلات المفقودة جراء التعرق ، وبينما الصوديوم يساعد كذلك فى زيادة الرغبة في الشرب (Thrist) فإن الكربوهيدرات تزود بالطاقة . وهذه العناصر يمكن استهلاكها أيضا عن طريق مصادر غير سائلة مثل الهلام وأعواد الطاقة وأطعمة أخرى .
وكما تم ذكره سابقاً فإن استهلاك الكربوهيدرات قد يكون مفيدا فى إبقاء شدة التدريب فى أثناء التدريبات العالية الشدة التي تمتد لحوالي ساعة أو أكثر وكذلك التدريبات معتدلة الشدة والتي تدوم لفترات أطول. وتستخدم المشروبات الرياضية التى يكون أساسها الكربوهيدرات أحيانا لمقابلة احتياج الكربوهيدرات ، وفى نفس الوقت تستخدم لمحاولة تعويض ما تم فقدانه من ماء ومنحلات بسبب التعرق. إن استهلاك الكربوهيدرات بمعدل 30 إلى60 جم/ساعة قد أظهر بأنه يحافظ على مستويات جلوكوز الدم ويبقي الأداء البدني. فمثلا ، لتحقيق تناول الكمية الكافية من الكربوهيدرات لتحمل الأداء البدني ، يمكن للشخص تناول نصف لتر الى لتر من مشروب رياضي تقليدي فى كل ساعة (بافتراض 6-8% كربوهيدرات ، والتى توفر 30-80 جم في الساعة من الكربوهيدرات) إضافة الى شرب ماء كاف لتجنب الجفاف . ويتم تحقيق أكبر معدلات التزود بالكربوهيدرات بخليط من السكر ( مثلا ، جلوكوز ، سكروز ، فركتوز ، مالتوديكسترين ) . وإذا كان كل من تعويض السوائل والكربوهيدرات سوف يتم تحقيقهما فى مشروب واحد ، فان تركيز الكربوهيدرات يجب ألا يتجاوز 8% أو حتى يمكن أن يكون أقل حيث أن مشروبات الكربوهيدرات العالية التركيز تقلل من إفراغ المعدة.
تعويض السوائل بعد التدريب
الهدف من تعويض السوائل بعد التدريب هو الإستبدال التام لأي نقص في السوائل أو المنحلات . وتعتمد الإجراءات المطلوب إتخاذها على السرعة التى يجب أن ينجز بها تعويض الماء ومقدار النقص فى المنحلات نسبة إلى السائل . واذا سمح وقت الإسترداد ، فإن استهلاك وجبات عادية و وجبات خفيفة بها مقادير كافية من الماء العادى سوف تعوض الماء بشكل سليم ، بشرط أن يحتوى الطعام على مقدار كاف من الصوديوم لاستبدال ما تم فقدة نتيجة التعرق. اما إذا كان نقص السوائل (الجفاف) كبير ومعنوي مع فترة استرداد قصيرة نسبيا (أقل من 12 ساعة) ، فلابد من التدخل من خلال برامج تعويض السوائل.
والفشل فى تعويض ما تم فقدانه من الصوديوم سوف يمنع العودة الى المستويات الطبيعية للماء في الجسم ويستحث الإنتاج الزائد للبول. وكما ذكرنا سابقاً فإن إستهلاك صوديوم فى أثناء فترة الإسترداد سوف يساعد فى الاحتفاظ بالسوائل التى تم تناولها ويساعد فى حث العطش . والحقيقة فإن قياس المفقود من الصوديوم أصعب من قياس المفقود من الماء ومن المعروف أن الاشخاص يفقدون المنحلات بالتعرق بمعدلات مختلفة تماماً . والمشروبات التى تحتوى على الصوديوم مثل المشروبات الرياضية قد تكون مساعدة ، ولكن العديد من الأطعمة يمكن أن تزود الجسم بالمنحلات المطلوبة . ويمكن إضافة مقداراً قليلاً من الملح إلى الوجبات والمشروبات المستخدمة للإسترداد عندما يكون فقدان الصوديوم بالعرق عالياً .
والأشخاص الذين يأملون فى تحقيق استرداد سريع وكامل من الجفاف يجب أن يشربوا حوالي 1.5 لتر من السائل لكل كيلوجرام تم فقدانه من وزن الجسم . وهناك مقداراً إضافياً لازماً لتعويض إنتاج البول المتزايد المصاحب للاستهلاك السريع والكبير للسوائل الكبيرة. ولذلك ، فإنه كلما أمكن ، يجب استهلاك السوائل على فترات زمنية (وبمنحلات كافية) بدلاً عن تناولها بكميات كبيرة لزيادة الاحتفاظ بالسائل للحد الاقصى.
وأخيراً فإن عملية تعويض السوائل بعد التمرين يمكن أن تتم عن طريق الوريد لدى الأشخاص الذين يتعرضون لجفاف شديد ( أكثر من 7% فقدان في وزن الجسم) مع غثيان وقىء أو اسهال أو الذين ولسبب ما لا يستطيعون تناول سوائل بالفم . وفى كثير من الحالات، فإن تعويض السوائل من خلال الوريد لا يوفر ميزة على الشرب فى تعويض نقص السوائل والمنحلات .
يسبب نقص سوائل الجسم انخفاض الأداء البدني ، لذلك فإن شرب كميات ملائمة من السوائل قبل وأثناء وبعد الجهد البدني يعد ضرورة للصحة والأداء الرياضي الأمثل .على الرياضي شرب كميات من السوائل تكفي لإعادة توازن سوائل الجسم . وعليه شرب 400-600 مل من السوائل ساعتين قبل المجهود البدني وشرب 150-350 مل كل 15-20 دقيقة أثنائه (حسب تحمل الفرد) ، أما بعد المجهود البدني فعلى الرياضي شرب ما يكفي من السوائل لاستبدال المفقود منها عن طريق التعرق، فعلية شرب 450-675 مل من السوائل لكل رطل تم فقده من وزن الجسم أثناء المجهود البدني.
|
تعويض السوائل في ظروف بيئية خاصة
· البيئات الحارة والرطبة . إن مخاطر الجفاف والإصابة الحرارية تزداد بطريقة مؤثرة فى البيئات الحارة والرطبة. وفى حال تجاوزت درجة الحرارة المحيطة درجة حرارة الجسم، فإن الحرارة لا يمكن التخلص منها عن طريق الاشعاع . وإضافة إلى ذلك ، فإنه إذا كانت الرطوبة النسبية عالية، فإن احتمال التخلص من الحرارة عن طريق تبخر العرق يبدو منخفضا بدرجة كبيرة – وعند نسبة رطوبة نسبية 100% ، فإن تبخر العرق لا يحدث . وبدلاً عن ذلك ، ففى البيئات الرطبة ، فإن العرق يتساقط من الجسم مما يؤدى إلى فقدان غير عملي لسوائل الجسم . وعندما تكون كل من درجة الحرارة والرطوبة عاليتين، تكون هناك خطورة للاصابة بالإعياءات الحرارية وفى هذه الحالات يجب تأجيل المنافسات واعادة برمجتها أو الغائها. وفى حالة حدوث منافسات تحت هذه الظروف ، يجب اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لضمان تعويض السوائل الجيد للرياضيين وأن تكون السوائل في متناولهم على أن تتم مراقبة اللاعبين لضمان عدم تعرضهم للإصابات الحرارية.
· البيئة الباردة. بالرغم من أن خطر الجفاف يكون أكبر فى البيئات الحارة، فإن الجفاف غير مستغرب فى الطقس المعتدل البرودة أو البارد. وتشمل العوامل التى قد تساهم فى الجفاف تحت هذه الظروف فقدان السوائل بالتنفس فى البيئات الجافة البرد وكذلك فقدان العرق والذى قد يكون عالياً فى حالة ارتداء ملابس معزولة فى أثناء التدريب العنيف . وقد يحدث الجفاف أيضا كنتيجة للمعدل المنخفض لتناول السوائل . وإذا شعر رياضى بقشعريرة البرد وكانت السوائل المتوفرة باردة ، فان الدافع للشرب سوف ينخفض بطريقة واضحة . وأخيراً ، فان صعوبة نزع الملابس لغرض التبول قد تجعل بعض الرياضيين يقللون طوعيا من تناول سوائلهم.
· المرتفعات. إن التعرض لارتفاعات أعلى من 2500 متر (8200 قدم) قد ينتج عنه فقدان للسوائل تزيد عن تلك المصاحبة لاى تدريب قد يتم أدؤه .ويكون هذا الفقدان نتيجة لحالات غزارة البول الإجبارية وفقدان الماء بالتنفس العالى مصحوبا بانخفاض الشهية والذي يؤدي إلى الحاجة المتزايدة إلى تناول السوائل . ويعتبر البعض غزارة إدرار البول بأنه علامة على التأقلم الناجح ، بالرغم من أن اخرين قد إقترحوا بأن على الأقل جزءً من غزارة البول يمكن أن تقلل عن طريق التناول الكافى للطاقة والمحافظة على وزن الجسم . وتحت ظروف المحافظة على الوزن، فإن هذا الإدرار الغزير للبول يكون بمقدار حوالى 500 مللتر فى اليوم ويدوم لحوالى 7 أيام. وفقدان الماء عن طريق التنفس قد يرتفع الى 1900 مللتر فى اليوم لدى الرجال و 850 مللتر لدى النساء. ولذلك ، فإن تناول السوائل فى المرتفعات العالية يجب أن يزداد بمقدار 3 الى 4 لتر فى اليوم لضمان العمل الوظيفى الأمثل للكلي.
المصدر: المزيني، خالد بن صالح. الموسوعة العربية للغذاء والتغذية. تحرير عبدالرحمن مصيقر، مركز البحوث والدراسات، المنامة، البحرين، 2008م.